Beşź Kurdī

 

ابراج

 

العاب

 

صور

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
    
 

 

 

 

سينما "عامودا" وسنواتٌ من الزمن المُحترق

 

06 آب, 2011

إنها كذلك أعوامٌ طويلة مرّت وعقودٌ من الزمن المٌتناثر تلاشت ولا تزال أفئدة أهالي "عامودا" تتمزق وتحترق حزناً عما أصابهم من أمرٍ جلل في أشهر حادثة وقعت خلال سبعينيات القرن المنصرم.
حينما التهمت ألسنة النيران أجساد أطفالهم الصغيرة المحبوسة داخل سينما "عامودا"،  وعبر بعض اللقاءات حاولنا العودة بالتاريخ للوراء عدة عقود؛ للوقوف على اللحظات الأليمة التي عاشها أهالي "عامودا" من هول الحريق الذي شب في سينما "شهرزاد" وراح ضحيته نحو مئتي طفلٍ،
فيقول السيد "محمد رشيد إسماعيل" أحد الناجين من الحادثة: «كان ذلك في يوم 13 تشرين الثاني سنة 1960م عندما بدأت أفواجٌ من تلاميذ المدارس

التوجه إلى السينما لمشاهدة فيلم تحت عنوان "شبح نصف الليل" من بطولة "محمود المليجي" و"فريد شوقي" وسعر بطاقة الدخول كانت بنصف ليرة سورية حيث أن ريعها جُمِعتْ لصالح الثورة الجزائرية المناوئة للاحتلال الفرنسي، كان عمري آنذاك /12/ سنة عندما دخلنا خلال العرض الثالث حوالي الساعة /7/ مساءً؛ وقبل أن تنتهي أحداث الفيلم سمعنا صوت أزيز من غرفة التشغيل وفجأة بدأت ألسنة النار تنبعث منها وتشتد بسرعةٍ كبيرة لتمتزج مع صرخات الأطفال وهم يستنجدون بمن ينقذهم من تلك الكارثة، حاولتُ الخروج لكن الباب الأمامي كان مكتظاً بأجساد رفاقي ولم يستطع أحدٌ الخروج لأن الباب كان ينفتح من الداخل وهذا سببٌ كافٍ لاحتراق معظمهم؛ لم أجد حلاً إلا القفز من فوق الجميع باعتباري كنت الأطول بينهم والتمدد من أجل الوصول للباب لكن دون جدوى؛ فسرعة الاحتراق كانت كبيرة وعمّت جميع زوايا السينما ونتيجة ذلك احترق قدمي وقبل أن يمتد إلى أنحاء جسمي انفتح الباب من شدة الضغط ونجا بعض الأطفال القريبين من المخرج أما الباقي فتحولوا إلى قطعٍ من الفحم».

ويشير الكاتب "حسن دريعي" ضمن صفحات كتابه "عامودا تحترق" إلى أقوال بعض الناجين من تلك الفاجعة ومنهم السيد "إبراهيم رستم" الذي قال: «دخلت إلى السينما برفقة شقيقي بعد بدء الفيلم، كان موقعنا أمام الشاشة مباشرةً؛ ولكثرة مشاهد العنف والرعب في أحداث الفيلم لم ننتبه إلى الحريق الذي بدأت ألسنته تتقدم من الخلف؛ وعندما علت صرخات الأطفال وبدأت الضجة تدبّ في المكان؛ نظرنا للخلف لنشاهد النيران تلتهم الصالة، أمسكتُ بذراع أخي وتوجهنا للباب الشمالي؛ كانت الأرض منخفضة والأكبر سناً كانوا أمامنا وعندما كسروا الباب وقعنا نحن الصغار فوق بعضنا البعض أكواماً مذعورين وخرج الكثيرون من فوق رؤوسنا ونحن في الأسفل، وكان هناك رجلان ينقذان الأطفال أحدهما يدعى "محمد سعيد دقوري" والآخر لم أتعرف عليه، وعندما بدأت النار تنتشر في السينما بسرعة كبيرة لم يبقَ لدينا إلا أن نحمي أنفسنا؛ حينها كنت أغطي رأسي بيدي؛ أبعد اليد فيحترق الرأس؛ أغطي الرأس فتحترق اليد إلى أن شبّ الحريق في طرف الجلابية لكن من حسن حظي أنني كنت أرتدي كنزة من الصوف فوق الجلابية ونتيجة ذلك احترق جسمي كله عدا القسم المغطى بتلك الكنزة، وقبل أن أفقد حياتي أصبحت خارج السينما بعد أن أنقذني "محمد دقوري" وأخذوني مباشرةً إلى المشفى ليكتب الله لي حياةً جديدة».

السيد "حسن اللوجي" مواليد /1932/م كان أحد المنقذين؛ ولم يكن يتجاوز وقتها الثلاثين من العمر؛ يقول: «كنت جالساً فوق سطح المنزل عندما سمعت بالحريق الذي شب في السينما؛ توجهت على الفور نحو المكان وشاهدت بعض شباب البلدة متجمعين أمام الباب يحاولون إنقاذ الأطفال الموجودين تحت رحمة الحريق؛ وبعضهم كان في الداخل يرمي بالأطفال إلى الخارج لكن أحد عناصر الشرطة منع البقية من الدخول لأن السقف كان مهدداً بالانهيار في أية لحظة، بقينا كذلك إلى أن تم إخماد النيران وبدأنا بإخراج الجثث المُتفحمة ونقلها بوساطة عربة يجرها حصان للذهاب بها إلى المسجد ثم دفنها ضمن قبر جماعي، وظلت عملية نقل رفاتهم حتى الفجر وبحسب الأعداد التي سمعتها وكان يسجلها موظف البلدية هي /217/ لكن قسم منهم دفنوا في مدينة "القامشلي" وقد استشهد في تلك الحادثة البطل "محمد دقوري" الذي قضى نحبه إثر انهيار أحد أعمدة السقف فوق جسده وهو يقوم بواجبه الإنساني في مساعدة الأطفال الأبرياء».

وجاء في الريبورتاج الصحفي الذي أجرته مجلة "المصوّر" المصرية والذي أشار إليه الكاتب "حسن دريعي" في نفس الكتاب في الصفحة /139-140/ تحدث فيه عن شجاعة البطل "محمد دقوري" الذي ضحى بنفسه من أجل إنقاذ أطفال بلدته؛ حيث كتب: «المنطقة كلها تتحدث عن مروءة ونجدة البطل "محمد سعيد آغا الدقوري" شابٌ من أبناء "عامودا" يبلغ من العمر /32/ عاماً؛ كان جالساً في المقهى عندما أتاه نبأ الحادث فقفز من مكانه وتوجه للسينما ورمى بنفسه في لظى النيران؛ كان يحمل الصغار واحداً تلو الآخر ويخترق كتل المحتشدين داخل وخارج الباب حتى يستطيع أن يرمي بهم إلى الخارج ويعود ليحمل غيرهم، وظلّ على ذلك حتى أنقذ /11/ صبياً لكنه لم يخرج بعدها وبقي وحده مع الأنقاض وقد أكلته النيران وأكلت معه الصبي الثاني عشر وهو يحمله على كتفه ملتصقاً بصدره التصاقاً حافظ بفضله على محفظته في جيبه وبداخلها بطاقته الشخصية. وكما يقال فإن ابن البطل "محمد دقوري" كان بداخل السينما مع الصبية؛ وفي الطريق إلى مكان الحادث قالوا له بأن ابنه "فهد" نجا من الحريق وعاد للبيت، وكان جوابه وهو يرمي بنفسه في الجحيم المتقد بأن جميع الأطفال هم أولاده».

ويشير السيد "صباح قاسم" من أهالي "عامودا" إلى الحوار الذي دار بينه وبين السيد "أحمد عثمان" مدير الكهرباء (الأسبق) حول أسباب الحادث؛ حيث يقول "أحمد": «استدعينا للتحقيق ثلاث مرات وبعدها جاء المدعي العام وذهبنا سوياً إلى موقع الحادث حيث وجد بنفسه سلامة الكابلات والأشرطة الكهربائية حتى مدخل دار السينما وتأكد بأنها كانت بحالة جيدة وغير معرضة للإحماء حيث أُغلق المحضر ببراءة مؤسسة الكهرباء، وعندما سألوني عن سبب الحريق باعتباري أسكن قريباً من السينما وضّحت لهم الأمر بأن البناء بدائي مبنيٌ من الطين ومسقوف بالأعمدة الخشبية والقش وشوالات القنب، وفوق ذلك كله كان محرك السينما صغيراً ولا يتحمل الضغط الكبير طيلة النهار ونتيجة ثلاثة عروض متتالية تعرض للإحماء وانبعثت منه شرارة مما أدى إلى إلحاق النار بالفيلم الذي يتصف بسرعة الاشتعال وجراء ذلك تطايرت الشهب في الأعلى ما تسبب بنشوب الحريق في السقف وحصل ما حصل».

ويؤكد على ذلك الكاتب "حسن دريعي" في ذات الكتاب قائلاً: «إن المادة المصنوعة منها تلك الأفلام كانت سريعة الاشتعال والاحتراق والتي كانت كالبارود الذي يلامسه النار؛ والفيلم المعروض كان من طبيعة وتركيبة مادة الأفلام سريعة الاشتعال والاحتراق نفسها، كانت  
الأطفال الناجون من الحريق في زيارة إلى أضرحة رفاقهم
هذه هي أفلام تلك الحقبة من الزمن؛ ومُنعت لاحقاً بعد احتراق أكثر من دار سينما ومنها سينما في مدينة "حلب" وأخرى في "الهند" مع فارق بين سينما "عامودا" وتلك اللتين كانت بمواصفات بناء جيدة من الإسمنت المسلح».

لم يبقى إلا القول بأن هذا التقرير الصحفي هو بمثابة رؤوس أقلام عن الفاجعة التي أصابت أبناء "عامودا" وأن هذه الكلمات القليلة إجحافٌ بحق الكثيرين ممن لم نذكر أسماءهم وتفاصيل معايشتهم لتلك الكارثة؛ لكن حاولنا قدر المستطاع الإشارة بشكلٍ موجز عما توفر لدينا من معلومات نعتبرها ضحلة قياساً لهول الحادثة التي حُفرت في ذاكرة الأحفاد.

ملاحظة: صور سينما "عامودا" المرفقة مع المادة هي من أرشيف الكاتب "داريوس داري".

المصدر : بوابة المجتمع المحلي لمنطقة عامودة